نصر حامد أبو زيد

55

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

هنا أمام الكتابة / الوحي مماثل لموقف علقمة أمام « الانقاض » و « النقنقة » بين ذكر النعام وأنثاه ، انه يعلم أنها أصوات دالة بالنسبة لهما ، لكن دلالتها خفية غامضة بالنسبة له ، لذلك قارنها بتراطن الروم في قصورهم . وبهذا المعنى جاء المثل « وحي في حجر » لمن يكتم سره . وقد أخطأ « أبو زيد القرشي » حين شرح هذا المثل قائلا كما حكى عنه صاحب اللسان « الحجر لا يخبر أحدا بشيء فأنا مثله لا أخبر أحدا بشيء اكتمه » ، حيث جعل المقارنة في المثل بين الانسان والحجر في حين أن المقارنة بين « السر » و « الوحي » ، ويكون المعنى « سرك كالوحي في الحجر » لا يدركه أحد . ولا شك أن هذا المثل كان دالا في ثقافة شفاهية تمثل الكتابة فيها نصّا غامضا مستغلق الدلالة . ولعل خطأ « أبو زيد القرشي » في شرح معنى المثل - وعذره أيضا - راجع إلى انتفاء مفهوم الكتابة من معنى « الوحي » بفعل فاعلية النص في الثقافة . إن هذا المثل يشبه إلى حد كبير ما نقوله في أمثالنا العامية من أن « السر في بير » ، وليس المقصود من ذلك أنه في مكان يستحيل الوصول اليه ، بل المقصود أنه مودع في مكان يستحيل على غير من أودعه أن يبحث عنه فيه . وتتعقد الدلاة بارتباط « البير » في الخيال الشعبي بعالم الأشباح والعفاريت والأرواح الشريرة بشكل عام . إن الدلالة اللغوية للمثل لا تنفصل عن النظام الثقافي بأعرافه وتقاليده ومعتقداته . وحين نقول إن النص قد ساهم في تحويل الثقافة من مرحلة الشفاهية إلى مرحلة التدوين عن طريق اضفاء اسم « الكتاب » على نفسه وعن طريق نفي دلالة « الوحي » بما يرتبط به من سرية وغموض عن معنى « الكتابة » فإننا لا نقصد بالنص مجرد المعطى اللغوي ، بل نقصد فعالية النص من خلال مجموعة البشر الذين اعتبروه نصهم الأساسي . وفي هذا الصدد يكفي أن نشير إلى أن النبي كان يجعل فدية الأسير من أهل مكة أن يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة ، وذلك من شدة حرصه وحرص الجماعة على تدوين النص وعلى احداث تغيير نوعي في الثقافة . إن النص هنا لا يفعل وحده بل تتحقق فعاليته بالانسان الذي كان النص بالنسبة اليه رسالة وبلاغا . 5 - الرسالة والبلاغ وليست الرسالة المتضمنة في عملية الاتصال / الوحي ، سواء كانت رسالة لغوية أم كانت رسالة غير لغوية ، رسالة خاصة بالمتلقي الأول ، ولكنها رسالة مطلوب تبليغها للناس وإعلامهم بها . وإذا كانت الرسالة لغوية قولية ، كما هو الأمر في حالة القرآن ، فالمطلوب ابلاغ منطوق الرسالة اللفظي دون تحوير أو تبديل أو تحريف . ان النص يفصل في مواطن